حماتي سابت جردل مليان هدوم داخلية مستعملة اول مادخلت الشقة يوم فرحي «لو عايزة بجد تبقي واحدة من العيلة وتحت طوعي، ابدئي واغسلي دول قبل ما تروحي تنامي.» جوزي، بدل ما يدافع عني، قاللي: «اعمليها، دي عشر دقايق.» ما جادلتش، أخدت شنطتي وقررت أمشي في نفس الليلة: «لو عايزة بجد تبقي واحدة من العيلة وتحت طوعي، ابدئي واغسلي دول قبل ما تروحي تنامي.» حماتي، سعاد، سابت جردل قدامي وانا لسة بقستان فرحي ، كان جواه ميه وصابون، وهدوم داخلية مستعملة لجوزها وعيالها الاتنين، وكأن ده مش كفاية، كان فيه كمان شرابات كلها طين.
كانت الساعة قربت على اتنين بالليل. الفرح كان خلص من أقل من ساعة، وأنا وأحمد كنا هنقضي الليلة في بيت أهله في التجمع الخامس، على أساس إننا نسافر شرم الشيخ تاني يوم. افتكرت إن حماتي بتهزر هزار تقيل ومالوش لازمة. بس ما كانتش بتهزر. قالتلي: «عندنا في البيت الستات بيهتموا بالرجالة. أنا عملت كده، وأم جوزي عملت كده، ودلوقتي جه دورك.» اسمي داليا حسن، عندي 33 سنة، وطول فترة خطوبتي اللي استمرت تقريبًا سنتين بأحمد، خليت عيلته يصدقوا إني شغالة منسقة إدارية في شركة مالية كبيرة في القاهرة.
وده ما كانش حقيقي. بعد تجربة ارتباط قديمة حاول فيها واحد كنت مرتبطة بيه يحوّل ممتلكاتي لمشروع شخصي ليه، قررت أعيش حياتي بعيد عن عيون الناس. استأجرت شقة مريحة، بس مش فخمة، وكنت بسوق عربية عادية، وما كنتش بتكلم أبدًا عن استثمارات أو عقارات أو شركات. كنت عايزة أعرف الشخص اللي هكمل معاه حياتي هيبقى عامل إزاي، لما ما يكونش عارف إن ورا اسمي فلوس وحسابات بنكية. أحمد كان باين مختلف. لحد الليلة دي. قلت لها:
«أنا مش هغسلهم.» ضمّت سعاد شفايفها باستغراب. «نعم؟» قلت وأنا ببصلها: «قلتلك مش هغسل تلات هدوم داخلية رجالي الساعة اتنين الصبح، وأنا أصلًا لسه بفستان فرحي.» ظهر أحمد عند باب الأوضة، قميصه مفتوح من عند رقبته، وريحتُه كلها كحول. أمه أشارت للجردل وقالت: «مراتك بدأت تبين من أول ليلة هيبقى التعامل معاها عامل إزاي.» استنيت أحمد يضحك. استنيته يقول: «خلاص يا أمي، كفاية.» لكنه بدل كده بص للجردل وقال فجأة: «اعمليهم يا داليا. دي عشر دقايق. ما تبوظيش الليلة بسبب حاجة تافهة.»
حسيت بحاجة وجعتني من جوا. قلتله: «إنت اغسلهم بنفسك.» فتحت سعاد عينيها بغضب. «إنتِ بتكلميني كده في بيتي؟» حاولت أمشي. أحمد مسك دراعي. «الأول اعتذري لأمي.» قلتله: «سيبني.» قال: «اعتذري لها.» «لأ.» الصفعة جات بسرعة لدرجة إني بالكاد شفت إيده. وشي احمر، ولمست شفايفي، ولقيت نقطة دم صغيرة على صوابعي. بس الأسوأ ما كانش الض.ربة. الأسوأ كان لما سمعت سعاد بتقول وراه: «كده هتتعلموا من أول يوم مين اللي كلمته هي اللي تمشي في البيت.»
ما عيطتش. أخدت شنطتي. أحمد ضحك لما شافني رايحة ناحية الباب. #الكاتبه_نرمين_عادل_همام وقال: «هترجعي بكرة. هتروحي فين بمرتبك يعني؟» بصيتله للمرة الأخيرة وقلت: «بكرة إنت كمان هتكتشف حاجة.» هو ما كانش يعرف لسه إنه إن الصفعة دي فتحت باب لحاجة محدش فيهم كان ممكن يتخيلها…
نزلت درجات السلم بخطوات باردة، مش علشان مكنتش مصدومة، لكن لأن الصدمة لما بتعدي حدها بتتحول لجليد يخرس أي مشاعر ضعف. صوت طرقعة كعبي كان بيقطع سكون العمارة الهادية. كنت لسه ماسكة ديل فستان فرحي الأبيض المبطن بالتل بإيد، وبالإيد التانية شنطتي الصغيرة. شفايفي كانت بتنزف خيط دم رفيع ودافي، لكنه كان بيفكرني كل ثانية إن الإهانة دي مش هتعدي. ركبت عربيتي، قفلت البوابات من جوة، وبصيت في المراية. الروج ملطخ، وشعري متفكك، والصفعة كانت معلمة صوابع خماسية حمرا على خدي اليمين.
مديت إيدي لدرج التابلوه وطلعت التليفون التاني؛ الخط المقفول اللي ما يعرفش رقمه غير تلاتة في البلد دي كلها. اتصلت أول حاجة بالمستشار عمرو عبد الرحمن، محامي العيلة وكبير المستشارين لمجموعة شركات “الحسن للاستثمار”. الرنة التانية وكان الخط اتفتح، وصوته كان باين عليه إنه صحي من النوم مفزوع: «داليا هانم؟ ألف مبروك يا فندم… بس خير؟ الساعة اتنين ونص بالليل!» مسحت الدم بمنديل ورميته جنبي، وقلت بهدوء تام: «عمرو… اسمعني كويس، ومش عايزة مقاطعة ولا أسئلة لحد ما أخلص.»
«معاكي يا فندم، خير؟» «أولاً: أوراق الاستحواذ على شركة “صرح المعمار” اللي أحمد بيشتغل فيها مدير مبيعات، اللي كنا مأجلين التوقيع عليها للشهر الجاي، تتبعت للمالك الحالي على إيميله الرسمي دلوقتي بأعلى من التقييم السوقي بـ 10%، مع شرط إغلاق الصفقة في حسابات الصبح الساعة 8:00 صباحاً كحد أقصى.» «تمام يا فندم، الإجراءات شبه منتهية والمالك هيمو.ت ويبيع أصلاً.» «ثانياً: الفيلا اللي في التجمع اللي عايش فيها أحمد وأمه وأخواته… مش كانت مرهونة كضمان للتسهيل الائتماني اللي خده باسم شركته المصغرة من بنك الاستثمار التابع لينا؟»
«بالظبط يا فندم، وحجم التخلف عن السداد عندهم دخل في الشهر الرابع، واحنا كنا موقفين إجراءات الحجز عشان المناسبة بس.» «حلو أوي. الحجز يتفعل مع أول دقيقة عمل للنيابة والمحاكم الصبح، ومعاهم إخطار إخلاء جبري خلال 48 ساعة. وثالثاً: تسبقني على مستشفى النزهة، عايزة تقرير طبي شرعي عاجل بإصابة في الوجه وتعدي بالضرب، ومن هناك على قسم التجمع الخامس، محضر ضرب وإتلاف وتبديد. المأذون اللي كتب الكتاب بالليل، ورقته ما تتوثقش في المحكمة بأي شكل، ومحامي الأحوال الشخصية يرفع قضية بطلان عقد قبل ما الحبر ينشف.»
عمرو سكت لثواني، وكان كأنه بيستوعب حجم الكارثة اللي حلت على الشخص اللي تجرأ يلمس داليا حسن، وقال بصوت حازم: «أوامرك يا فندم. الصبح هيكون يوم القيامة بالنسبة ليهم.» في نفس التوقيت، في شقة التجمع… كانت سعاد قاعدة على الكنبة المدهبة، حاطة رجل على رجل، وقدامها فنجان قهوة مظبوط بتشربه بمزاج. أحمد كان رايح جاي في الصالة، ريحة الخمرة لسه بتفوح من كلامه، بس وشه بدأ يتوتر. «يا أمي، انتِ زودتيها. كان لازم نعدي الليلة وبعدين نبقى نفرض سيطرتنا براحتنا، افرضي راحت اشتكت لأهلها؟»
سعاد ضحكت باستهزاء ومطت شفايفها: «أهلها مين يا حيلتها؟ البت مقطوعة من شجرة ومالهاش غير عم في الصعيد ما بيسألش عنها. ومرتبها الكام ألف جنيه اللي بتجيبهم من الشركة هو اللي ممشيها. بكره لما تلاقي نفسها في الشارع وشنطتها في إيدها، هتيجي تبوس رجلي ورجلك عشان ترجع. الستات دول يابني ما يمشوش غير بالعين الحمرا من أول دقيقة، تكسر عينها ليلة الدخلة تعيشلك جارية طول العمر.» أحمد بص للجردل اللي لسه محطوط في مدخل الطرقة، المية اللي فيه ركدت والهدوم وسخة زي ما هي. حس بحاجة غريبة بتنقح في قلبه، بس كبرياؤه الفارغ غطى على أي إحساس بالندم:
«أنا هنام. بكره لما تصحى هتلاقي نفسها ولا حاجة، وهي اللي هتتصل تتوسل.» الساعة كانت 8:30 صباحاً. أحمد صحي على صوت رنات تليفونه اللي مش بتسكت. مد إيده بصداع، ولقى المتصل “طارق بك”، رئيس مجلس الإدارة والمالك لشركة “صرح المعمار” اللي أحمد شغال فيها. فتح الخط بصوت ناعس مخلوع: «ألو.. صباح الخير يا طارق بيه… ألف شكر على حضورك الفرح إمبارح و—» طارق قاطعه بصوت عصبي متوتر كأنه بيغرق:
«فرح إيه وزفت إيه يا أحمد! البس هدومك وتعال على الشركة حالاً! في كارثة بتحصل، الشركة اتباعت في صفقة سرية تمت الفجر، والمشتري هيئة استثمارية عملاقة، ورئيس مجلس الإدارة الجديد وممثل المالك وصل المقر الرئيسي من نص ساعة وطلب ملفات الحسابات كلها، وطلب مراجعة العمولات والمشاريع اللي تحت إيدك بالاسم!» أحمد الدم هرب من وشه: «اتباعت؟! إزاي ومين المشتري؟» «معرفش يا ابني! كل اللي أعرفه إنه مستثمر تقيل دافع كاش ومصفي كل ديون الشركة، ومجلس الإدارة بيترعش تحت. لو اتأخرت دقيقة واحدة هتتفصل قبل ما تبدأ، ده غير إن المراجعين القانونيين قالبيين الدفاتر!»
أحمد قفل الخط ونزل يجري زي المجنون. سعاد شافته وهو لابس البدلة نص لبسة: «في إيه يا أحمد؟ خير يا ضنايا؟» «مش وقته يا أمي! الشركة بتتباع ورايح أشوف مصيبتي!» سعاد زغردت فجأة من غير ما تفهم: «لولولولي! وشك حلو يا واد، تلاقي المالك الجديد جاي يرأيك ويديك منصب كبير! ده رضا أمك يا حبيبي!» في المقر الإداري لشركة “صرح المعمار” في التجمع الخامس. الأجواء كانت أشبه بساحة حرب؛ الموظفين واقفين متسمرين في الممرات، الملفات بتتنقل بسرعة، وأمن الشركة واقف بانضباط غير عادي.
أحمد دخل ينهج، رقبته عرقانة وربطة عنقه مفكوكة. مشي ناحية قاعة الاجتماعات الكبرى VIP، لقى طارق بيه ونائب مجلس الإدارة واقفين برة الباب عمالين يمسحوا عرقهم ومنتظرين الإذن بالدخول. أحمد قرب منهم بصوت واطي: «طارق بيه… مين جوا؟» طارق بصله برعب وقاله: «مجموعة الحسن… داليا هانم الحسن بنفسها جوا!» أحمد ضحك بهستيريا وتوتر: «داليا مين؟ داليا؟! الاسم مش غريب، بس مين دي يعني؟» الباب اتفتح فجأة، وخرج المستشار عمرو عبد الرحمن، ببدلته الفخمة ونظراته الصارمة، وبص في الورق اللي في إيده:
«أحمد عبد المجيد… اتفضل، الهانم مستنياك لوحدك.» أحمد بلع ريقه، رجليه كانت تقيلة كأنه ماشي في وحل. دخل القاعة الفخمة، التكييف كان ساقط زي التلاجة، والستاير مقفولة جزئياً، والضوء متسلط على نهاية الترابيزة الطويلة المصنوعة من خشب الماهوجني. كانت قاعدة في صدر القاعة. بدلة كلاسيكية سودا ماركة عالمية، شعرها ملموم بصرامة ورا راسها، لابسة نضارة طبية خفيفة، وساعة كارتييه دهب بتلمع في إيدها اللي ماسكة قلم حبر تقيل. لكن اللي شل حركته وخلى قلبه يقف في مكانه…
