كان اللاصق الطبي الصغير المحطوط بعناية على زاوية شفايفها، والكدمة الزرقا الخفيفة اللي باينة تحت عنيها. داليا سابت القلم من إيدها، ورفعت عينيها فيه ببرود تام. أحمد فتح بقه، إيديه اتجمدت في جيوبه، صوته طلع مخنوق ومش طالع منه غير همس: «د… داليا؟! إنتِ؟!» داليا مالت بضهرها لورا على الكرسي الجلدي الكبير، وابتسمت نص ابتسامة هادية ترعب: «صباح الخير يا أحمد. كان المفروض أقولك “يا عريس”، بس للأسف، إحنا مالحقناش.» «إنتِ بتعملي إيه هنا؟ لابسة كده ليه؟ وفين طارق بيه؟! إنتِ اتجننتي؟!»
داليا شاورت للمستشار عمرو، فدخل وقفل الباب وراه، ورمى ملفين كبار قدام أحمد على الترابيزة. «اتفضل اقرأ يا بشمهندس أحمد. الملف الأولاني: عقد شراء 80% من أسهم شركة صرح المعمار، المسجلة باسمي أنا شخصياً، يعني من الساعة 8 الصبح، أنا صاحبة المكان ده، وصاحبة كل كرسي فيه، وصاحبة القرار في إنك تفضل موظف هنا ولا تترمي في الشارع.» أحمد اتسند على حافة الترابيزة وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه: «صاحبة الشركة؟! إزاي؟ إنتِ منسقة إدارية غلبانة بمرتب ست آلاف جنيه!»
«المنسقة الإدارية دي كانت الستارة اللي حبيت أشوف بيها هل في راجل هيحبني لنفسي، ولا كله بيجري ورا اسم عيلتي وفلوسي… وطبعاً، أثبتلي إمبارح إنك مش بس طمعان وعينك فارغة، إنت وأمك طلعتوا مريضين نفسياً وفاكرين إن كرامة الست مداس تفرشوه تحت جزمكم.» أحمد وشه احتقن بالدم وبدأ يتنفس بسرعة، وفجأة افتكر صوته العالي إمبارح، بس حاول يداري ضعفه ورجع يقرب منها: «داليا… إنتِ مراتي! إحنا كاتبين كتابنا إمبارح! القانون بيديني حق—» «القانون؟» قاطعته داليا وهي بتفتح الملف التاني بإصبع واحد:
«الملف التاني ده بلاغ رسمي للنائب العام بتهمة الاختلاس وخيانة الأمانة. الـ 2 مليون جنيه اللي اختفوا من مشروع الساحل الشمالي السنة اللي فاتت وكنت مسجلهم “مصاريف إدارية”، حساباتك السرية اتحصرت الصبح مع البنك المركزي.» أحمد ركبه خبطت في بعض وصوته اترعش: «داليا… اسمعيني، دي مصاريف شغل، طارق كان عارف—» «طارق باعك في دقيقة أول ما شيلت عنه الديون يا أحمد.» داليا وقفت بهدوء، مشيت بخطوات بطيئة ووقفت قصاده بالظبط. كانت باصة في عينيه من فوق لتحت، ملامحها خالية من أي حب أو ضعف:
«وبالنسبة لكتابنا… الورقة المأذون لسه ما وثقهاش، والمحامي بتاعي قدّم طعن وتنازل مستند لتقرير الطب الشرعي ومحضر الضرب والشروع في القتل اللي اتعملك في قسم التجمع الساعة 3 الفجر. يعني رسمياً، إنت متهم ومطلوب للتحقيق، وملكش عليا أي ولاية ولا حتى حق تبص في وشي.» تليفون أحمد رن في جيبه في اللحظة دي بنغمة عالية، كانت أمه سعاد. داليا بصت على شاشة تليفونه، وقالت ببرود: «رد على مامتك… شكل الأخبار الحلوة بدأت توصل البيت.» أحمد طلع التليفون بإيد بترتعش، وفتح الاسبيكر وهو مش واعي بيعمل إيه:
«ألو… يا أمي؟» صوت سعاد جه بيصرخ ويلول بأعلى صوت، والشارع وراها دوشة وسارينات: «الحقني يا أحمدددد! في شرطة ومحضرين هنا عند العمارة! بيقولوا البنك حاجز على الفيلا والشركة بتاعتك اللي ضمنت بيها البيت أعلنت إفلاسها وبيطردونا في الشارع! هدومي وعفشي بيترموا على الرصيف يا أحمددد! تعالى ألحقني يا بني هيحبسونا!» أحمد بص لداليا برعب، عيونه كانت مليانة دموع ذل: «داليا… أرجوكي! بيتي وأمي وإخواتي! حرام عليكي، عشان خاطر أي حاجة حلوة بينا!» داليا عدلت نضارتها، وقربت منه لدرجة إنه شم نفس العطر اللي كانت حطاه ليلة الفرح، بس العطر المرة دي كان طالع من شخص ملوش قلب:
«عشان خاطر العشر دقايق يا أحمد.» «إيه؟!» «مش إنت قولتلي إمبارح: “اعمليها يا داليا دي عشر دقايق ما تبوظيش الليلة”؟ أنا مخدتش غير عشر دقايق بالظبط بالليل عشان أمضي على قرارات تدمر مستقبلك، وتطرد أهلك في الشارع، وتخليك مش لاقي حق المحامي اللي هيدافع عنك في قضايا الاختلاس.» لفت ضهرها ومشيت ناحية الباب، ووقفت عند العتبة من غير ما تبصله: «الجردل اللي أمك سابتهولي بالليل عشان أغسل هدومكم الوسخة؟ سايباهالكم قدام باب الفيلا على الرصيف… خلوه ينفعكم، عشان من هنا ورايح، مش هتلاقوا غيره تلموا فيه اللي باقي من كرامتكمشاورت للأمن اللي واقفين برة:
«خدوه، وسلموه لدورية الشرطة اللي مستنياه تحت في مدخل الشركة.» صرخ أحمد وهو بيحاول يمسك في هدومها: «داليا! داليا سامحيني! أبوس إيدك يا داليا!» لكن حراس الأمن سحبوه من كتافه لورا، ورموه على الأرض في الممر قدام كل الموظفين اللي كانوا بيشتغلوا تحته، والكل بيبص له بنظرات شفقة ممزوجة بالشماتة. داليا دخلت مكتبها الجديد، قعدت ورا المكتب الضخم، وبصت للشمس اللي ملت الأوضة من الواجهة الإزاز الكبيرة. شالت اللاصق الطبي من على شفايفها، ورجعت خصلة شعر ورا ودنها، وفتحت الملف اللي قدامها وبدأت تشتغل، وكأن صفحة واتقفلت للأبد… بحبر من نار.