مريم قفلت الباب بسرعة، وسندت ضهرها عليه. وبصت للكوباية كأنها ماسكة حيّة. الخ،وف كان بيخنقها. لكن وسط الخ،وف، كان فيه إحساس واحد واضح جدًا: حماها حاول يسممها في أوضتها. بعد دقائق، سمعت خطوات داليا وهي طالعة السلم. كانت بتترنح، وريحة الكحول مالية المكان، ومكياجها سايح، وكعب جزمتها بيخبط في الأرض بعصبية. دخلت من غير ما تخبط، ورمت شنطتها على الكرسي، وقعدت على طرف السرير. — هاتيلي مية… أنا هم،وت من العطش.
وبصت لمريم بضيق. — وبلاش وشك ده. إنتِ عايشة هنا عشان تخدمينا أصلًا. مريم بصت لها في صمت. طوال السنتين اللي فاتوا، داليا كانت بتسرق هدومها، وتهينها قدام العيلة، وتنقل كلام عليها لنوال، وتس،خر من شغلها كمصممة أزياء. لكن عيني مريم راحت للكوباية. هي ما كانتش عاملة فخ لداليا. اللي عمل الفخ كان أبوها. مريم مدت إيدها بالكوباية وقالت: — خدي… ده عصير. أنا خلاص مش عايزاه. خرجت من جوة الأوضة!
— داليا؟! داليا إنتِ بتعملي إيه هنا؟! صوت جابر كان ماليها ذهول ورع،ب لا يمكن وصفه. الباب اتفتح بعنف، وخرج جابر يجر رجله لورا وهو بيتنفث بسرعة وكأنه شاف شبح، وشه كان أصفر زي الميتين، وإيديه بتترعش. كان بيبص لإيديه ولأوضة مريم وهو مش مصدق. المسحوق الأبيض ما كانش سم… كان مخدر قوي وماده شديدة المفعول كان مجهزها عشان يفقد مريم وعيها تمامًا ويغدر بيها وهي مش حاسة، لكن اللحظة اللي دخل فيها الأوضة في الضلمة وقرب من السرير، اكتشف إن اللي غايبة عن الوعي وراقدة قدامه هي بنته الوحيدة!
في اللحظة دي، جابر استوعب الكارثة. الكوباية اللي أصر إن مريم تشربها… شربتها داليا. بدأ يجري في الطرقة زي المج،نون وهو بيهمس بصوت مرع،وب: “مريم فين؟ مريم راحت فين؟!” في الوقت ده، مريم خرجت بالراحة من الدولاب، ومسكت الموبايل اللي كان بيسجل كل حاجة: خروجه المرتبك، كلامه، وانهياره. وقبل ما يلتفت ويشوفها، سحبت شنطتها الصغيرة ولاب توبها وشريط تسجيل صغير كانت حطاه تحت السرير بيلقط الصوت جوة الأوضة، ونزلت على السلم بجرأة وخفة لم تعرفهما في حياتها من قبل.
جابر سمع صوت خطواتها، وجري على السلم وهو بيزعق بصوت مبحوح: — مريم! استني عندك! إنتِ عملتي إيه؟! إنتِ حطيتي إيه للبنت؟! لفت له مريم وهي عند باب الشقة الخارجي، بصت له بنظرة حادة وصارمة خلت جابر يتسمر في مكانه. — أنا محطيتش حاجة يا عمي… إنت اللي حطيت. وعصير المانجا اللي كنت عايزه ينيمني… هو نفسه اللي نيم داليا. جابر وشه اتغير تمامًا، ونبرة الترجي الممزوجة بالتهديد ظهرت في صوته:
— مريم… هاتي الموبايل ده. إنتِ فاهمة لو حد عرف باللي حصل إيه اللي هيحصل؟ سمعة العيلة هتتدمر! عمر هيدمرك! سلمي الموبايل وبلاش فضايح! — سمعة العيلة؟ ضحكت مريم ضحكة باردة، وفتحت الباب الخارجي بينما المطر كان لسه بينزل بغزارة بره. — الستارة اتكشفت يا حاج جابر… واللي جاي مش مجرد كلام.
خرجت مريم في ليلة المطر، وقفت تاكسي بالعافية، وطلبت منه يوديها للبيت القديم بتاع أهلها في وسط البلد. طول السكة، كانت إيدها بتترعش وهي بتتفرج على الفيديوهات والتسجيلات. كان معاها فيديو لجابر وهو بيديها الكوباية وبيفاوضها تشربها، وفيديو تاني وهو طالع الأوضة في الضلمة بخطوات قاصدة، وتسجيل صوتي لصرخته لما اكتشف داليا، واعترفه الضمني بج،ريمته. بس القصة ما خلصتش هنا. الساعة جابِت 4 الصبح. تليفون مريم بدأ يرن بشدة. كان “عمر”.
فتحت الخط، وجاءها صوته مشحون بالغضب والانفعال، صوت واحد مضحوك عليه ومحمي بغشاوة: — مريم! إنتِ فين؟! أبويا كلمني وهو بيب،كي! إنتِ حطيتي إيه لداليا في العصير ومشيتي وسيبتي البيت ليه؟! داليا منقولة المستشفى في حالة مسممة ومش بتتحرك! إنتِ اتجننتي؟! بقى بتنتقمي من العيلة بالشكل ده؟! مريم سمعت كلامه بهدوء شديد، ودمعة واحدة نزلت من عينها على جوزها اللي فضل يصدق أبوه الخ،اين على إنه يسمع مراته. ردت عليه بصوت ثابت زي الحديد:
— عمر… اركب عربيتك وتعال على القاهرة حالًا. وما تروحش المستشفى ولا تروح عند أبوك… تعال على عنوان المحامي بتاعي. ولو ما جيتش خلال . بقى كده يا عمر؟ بتصدق الح،رمة على أبوك؟ ماشي… لو الفيديو ده خرج للعلن، أنا مش هقع لوحدي. أنا هجر العيلة كلها معايا للقاوع، وإنت أول واحد شغلك وسمعتك هيروحوا في داهية. الخط اتقفل. عمر بص لمريم والأستاذ فاروق وهو مشوش ومش قادر يستوعب إن ده نفس الشخص اللي رباهم.
الأستاذ فاروق قفل اللاب توب وقال بهدوء: — جابر عبدالسلام أدرك إن الكارت الأخير طار من إيده، ودلوقتي هيتحول لوحش جريح. هو معاهم ع،لاقات ونفوذ، وهيحاول يستغل حالة داليا في المستشفى عشان يلفق التهمة لمريم على إنها هي اللي حطت السم في العصير بدافع الغيرة أو الانت،قام. مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقربت من المحامي وقالت: — يبقى هو لسه ما يعرفش أنا شلت إيه تاني في الشنطة دي يا أستاذ فاروق… أنا ما خرجتش من البيت ده بإيدي فاضية.