منوعات

المؤمره

توقف شريف في مكانه، وسمعت صوت حشرجة مكتومة في حلقه. الصمت عاد مجدداً لثوانٍ معدودة، لكن هذه المرة كان صمتاً ملغوماً بالإدراك. إدراك أن اللعبة قد كُشفت، وأن الخطأ القا.تل الذي ارتكبه لم يكن في قطع أسلاك الفرامل، بل في استهانته بعقل المرأة التي تشاركها فراشه. “منة…” نطق اسمي هذه المرة بهمس مرعوب، نبرة متوسلة خاوية من أي رجولة. “أنتِ… أنتِ عارفة؟”

أنا عارفة كل حاجة يا شريف.” أجبته بصوت خفيض وواضح كحد السيف. “عارفة السهر لحد الفجر في المكتب، وعارفة المكالمات اللي في البلكونة، وعارفة الفلوس اللي بتتسحب من الحساب المشترك بيننا، وعارفة النفعيين اللي زيك لما يحبوا يخلصوا من شريكة حياتهم عشان ياخدوا البوليصة ويخلوا لهم الجو مع ‘العميل الغلس’ اللي كنت بتتكلم معاه امبارح.”

تأتأ شريف، وكأن لسانه أُصيب بفلج مفاجئ: “منة… وحياة أغلى حاجة عندك… كلمي بابا… الفرامل… الفرامل مقطوعة يا منة! العربية مش هتقف على أول طريق السخنة أو الفيوم! بابا مبيعرفش يتصرف في المواقف دي! حزام الأمان مش هيحميهم! كلميهم يا منة أرجوكِ، وحياتي عندك، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه، اطلبي الطلاق، حابسيني، بس كلميهم!” سمعت صوت بكائه، بكاء طفل ذليل أدرك أن الفأس قد وقعت في الراس، ولكن ليس في رأس الضحية المستهدفة، بل في رأس أنبل شخصين في حياته؛ أمه التي حملته، وأبوه الذي شقي ليصنع منه مهندساً يرتدي البدلات الأنيقة.

قمت من مقعدي مشيت ببطء نحو البلكونة، أطللت منها. كانت السيارة قد ابتعدت بالفعل واختفت بين المنحنيات. “تفتكر يا شريف…” قلت ببرود ينبض بالقسوة، “تفتكر ربنا بيخلص ذنب المكر السيئ بسرعة كده؟ أنت كنت عايزني أمو.ت على الطريق السريع، كنت عايز حادثة بكتلة خرسانية أو عربية نقل تتكفل بالتخلص مني، وعامل حسابك تدمع في العزا وتلم التبريكات والمواساة، وتاخد شقتك وعربيتي والتأمين وتعيش حياتك.”

“منة أرجوكِ!” صرخ بصوت شق أرجاء الهاتف، وسمعت صوت تصادم سيارته وهو يتحرك بسرعة جنونية من جراج شركته. “أنا على الطريق! أنا نازل وراهم! كلميهم قولي لعم مصطفى يقف بالفرامل اليدوية! قولي له يهدّي بالموتور! بابا مبيجريش، لسه على أول الطريق! اتصلي بيه يا منة، لو جرالهم حاجة أنا همو.ت نفسي!” “مش هتدلحقهم يا شريف.” قلتها بثقة. “ليه؟! ليه مش هلاحقهم؟! هجيبهم حتى لو هخبط عربيتي في عربيتهم عشان أوقفهم! اتصلي بيه خليه يتفادى الكوارث!”

ابتسمت ابتسامة عريضة، ابتسامة امتزجت فيها المرارة بالنصر، ثم أردفت بكل هدوء: “عشان عمك مصطفى ما أخدش العربية يا شريف.” انقطع صوت شريف تماماً، وكأن الهاتف قد سقط من يده، أو كأن عقله لم يستوعب الكلمات. “إيه؟” قالها بصوت كادت الحروف تضيع منه.

“بقولك عمك مصطفى ما أخدش العربية.” كررتها بتلذذ وأنا أنظر إلى مفتاح سيارتي المركون على الطاولة المجاورة لي. “عمك مصطفى راجل أسطى وميكانيكي قديم يا ابن الأصول… راجل خريج صنايع وبيفهم في الأصول والأجهزة. لما نزلت له بالمفتاح الصبح بدري وهو واقف تحت العمارة ومعاه طنط هدى والشنط، مسك المفتاح، بس قبل ما يدور، وطى بص على الفردة الورا السائبة، ولقى زيت الفرامل سارب على الأرض تحت العربية.” ساد الصمت من جديد، ولكن هذه المرة سمعت صوت شهقات شريف وهو يشهق كالذبيح.

تابعت حديثي وأنا أتحرك في الصالة بخطوات ثابته: “عم مصطفى بصلها وقال لي: ‘يا بنتي العربية دي خرطوم الفرامل فيها مقطوع وسارب زيته، ومقصوص بآلة حادة مش مأكول من الصدأ ولا التراب… العربية دي ملعوب فيها، ومينفعش تتحرك خطوة واحدة، دي تجيب أجل اللي يركبها’. وطبعاً الراجل الطيب وخوفاً عليا، طلب لي ونش التوكيل، والعربية حالياً في طريقها للتوكيل الرئيسي… مع تقرير فني مبدئي بحالة القطع العمدي.” سمعت صوت شريف يشهق بذهول: “يعني… يعني بابا وماما بخير؟”

“أيوة، بخير… ركبتهم كسور وميكروباص مكيف وطلعتهم الفيوم على حسابي عشان يغيروا جو بعيد عن القرف اللي إحنا فيه.” ثم تغيرت نبرتي من التهكم إلى الجدية القا.تلة التي تجمد الدماء في العروق: “بس أنت اللي مش بخير يا شريف. أنت اللي حياتك انتهت النهاردة.” “منة… استهدي بالله… أنا… أنا كنت مجنون… الشيطان غواني… أنا والله بحبك بس…”

“أوسخ حاجة في المجرم الجبان…” قطعت حديثه بقسوة، “…إنه لما ينكشف، بيتحول لفأر. وينسى الكبرياء اللي كان بيتمشى بيه في الصالون وهو بيقول لي ‘الأمان أولاً يا منة’. الأمان؟ أنت كنت بتظبط ساعة مو.تي يا شريف! كنت قاعد معايا على الفطار بتاكل السلطة وتتأكد إن الخطة ماشية تمام وأنك هترجع بالليل تلاقيني جثة في المشرحة!”

“أنا جاي البيت حالاً!” صرخ شريف وهناك صوت صرير فرامل سيارته وهو يلتف في المنتصف بشكل خطر على الطريق. “نتكلم يا منة! نتفاهم! بلاش نهد بيتنا، بلاش تدخلي الشرطة، بلاش فضايح قدام أبويا وأمي! أبوس إيدك، أبويا لو عرف حاجة زي دي يترمي فيها قتيل! أرجوكِ يا منة استنيني في البيت!” أنا مستنياك يا شريف…” قلتها بهدوء شديد. “…بس مش لوحدي.” “يعني إيه؟” سأل بنبرة ملؤها الرعب، وقد بدأ ينزل من سيارته بعد أن وصل أمام العمارة بسرعة جنونية.

“يعني العمارة تحت فيها البوكس، والعميد هشام زميل بابا القديم في النيابة موجود معايا فوق في الصالة بياخد أقوالي، والتقرير الفني للشركة اللي جابها حمايا وصل، والتسجيل الصوتي للمكالمة دي كلها -بما فيها اعترافك الصريح بالفرامل المقطوعة وخوفك على أهلك- بقى حالياً على تليفون سيادة الرائد اللي واقف على باب الشقة ومستنيك تطلع بالبيجامة الرمادي الخفيفة اللي كنت لابسها الصبح.” سقط الهاتف من يد شريف، وسمعت عبر الخط المفتوح صوت خطوات ثقيلة تصعد السلم، وصوت أصفاد حديدية تُفتح، وصوت الضابط وهو يصيح بلهجة حازمة: “المهندس شريف؟ اتفضل معانا من غير وش.”

وقفت عند النافذة مرة أخرى، رفعت فنجان القهوة البارد الذي تركته على السفرة منذ الصباح، وشربت منه رشفة واحدة. رأيت شريف يُقاد من بوابات العمارة، مقيد اليدين خلف ظهره، ينظر إلى الأعلى بنظرات مكسورة ملطخة بالعار والذهول، يفتش عن وجهي خلف الزجاج. لم أمنحه متعة رؤية دموعي، بل التقت عيناي بعينيه، رفعت فنجان القهوة في الهواء وكأنني أنخب نهايته المحتومة، ثم أدرت ظهري للنافذة وأغلقت الستائر الثقيلة. جلس الضابط أمامي، يراجع الأوراق والتقرير المبدئي من مركز الخدمة.

“التقرير بيأكد يا مدام منة إن الخرطوم مقطوع بموس أو كتر حاد، والشواهد كلها بتقول إنها محاولة ق.تل عمد مع سبق الإصرار والترصد. المكالمة المنسوخة اللي سجلتيها تعتبر اعتراف قاطع، بالإضافة لشيكات التأمين على الحياة اللي لقيناها في مكتبه ورسائل الواتساب مع الست اللي كان بيكلمها.” تنفس الصُعداء ثم قال: “الحمد لله إن ربنا أنقذك وإن حماكي كان راجل بيفهم، وإلا كانت الكارثة هتبقى أبشع.”

مسحت على وجهي ببطء، لم أكن أبكي على شريف، فالرجل الذي أحببته مات في اللحظة التي لمست فيها يده أسلاك سيارتي في ظلام الليل، لكني كنت أفكر في عم مصطفى وطنط هدى. كيف سأواجه هذين الأبوين الصالحين عندما يعودان من الفيوم؟ كيف سأخبر الرجل الذي رفض أن يبهدل عربيتي، أن ابنه الوحيد كان مستعداً لبهدلة دماغي على الرصيف من أجل بضعة ملايين من الجنيهات؟ أغلقت محاضر الشرطة، وتوجهت إلى غرفة النوم. فتحت الخزنة، أخرجت أوراق ملكيتي للشقة، وعقود الحسابات المغلقة، وجواز سفري. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تنشر أشعتها البرتقالية على جدران البيت الذي شهد أعلى درجات الخيانة.

ارتديت معطفي، وأمسكت بهاتفي، ورأيت رسالة جديدة من طنط هدى تحتوي على صورة لعم مصطفى وهو يبتسم بطفولة ويقف أمام بحيرة قارون وهو يمسك كوباً من الشاي. كتَبَت تحتها: “عمك مصطفى فرحان أوي يا منة، وبيقولك العصير والجمبري على حسابه لما نرجع.. ربنا يسعدك أنتِ وشريف ويخليكم لبعض يا بنتي.” جلست على طرف السرير، والدموع التي حبستها طوال اليوم بدأت تسيل بسخونة على خدي. لم تكن دموع حزن، بل دموع تحرر من وهم كبير عاش مع معي لثلاث سنوات.

رددت على رسالتها بصوت مرتعش وأنا أكتب: “بالهنا والشفا يا طنط.. اتبسطوا على الآخر.. وأنا مستنياكم ترجعوا بالف سلامة، عشان في أمانات لازم تترد لأصحابها.” خرجت من الشقة وأغلقت الباب بالمفتاح، تركته وراء ظهر يواجه مصيره المظلم خلف القضبان، بينما أخذت خطوتي الأولى نحو حياة جديدة، حياة لا مكان فيها للفرامل المقطوعة أو الوعود المزيفة. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى