منوعات

زوج الاثنين

بصتلي من فوق لتحت وكملت باستهزاء: «بطل تتهبل وتصدق أفلامها، دي حركات حريم وملاوعة عشان تحسسك بالذنب وتلوى دراعك، وبدل ما تعمل راجل عليا وتزعقلي، روح حاسبها هي على إهمالها اللي سابت الواد لما صدره اتقفل ومكلمتكش من أول اليوم!». ردها وطريقتها خرسوني.. الست قلبت الترابيزة في ثواني ببرود غريب، طلعت سوسن هي المهملة والكدابة، وطلعتني أنا وهي الضحية، وبدل ما أرد عليها بكلمة، لقيت نفسي ببلع ريقي وبسكت، تائه بين منطقها المسموم اللي دخل عقلي، وبين صوت عياط سوسن اللي لسه بيرن في وداني.

كلام مرفت فضل ينخر في دماغي زي السوس، بدل ما أرجع لضميري، لقيت نفسي ببلع كلامها وبقتنع بيه عشان أهرب من الإحساس بالذنب وأرمي البلا على غيري. الدم غلي في عروقي، ورجعت شقة سوسن وأنا على آخري، فتحت الباب ورزعته ورايا بكل غل، ودخلت خبطت على أوضة العيال برجل وإيد لحد ما فتحت وهي مخضوضة ووشها شاحب.

مزعقتش.. أنا انفجرت في وشها زي المجنون، مسكت الروشتة في وشها وزعقت: «أنتِ بقى عاملة فيها الأم الحنينة والضحية اللي هتمو.ت على ابنها؟ وبتعيشي الدور وتلوي دراعي؟! لو كنتِ أم بجد وبتفهمي، كنتِ سيبتي الواد يوصل لمرحلة الالتهاب الرئوي دي كلها؟ ليه مكلمتنيش من بدري؟ ليه استنيتي لما الليل ليل والساعة بقت اتنين عشان ترني تعملي النمرة دي؟».

سوسن وقفت مبلمة، عينيها وسعت من الصدمة، مكنتش مستوعبة الكلام اللي بتسمعه، وأنا كملت بقسوة وبجاحة تكسر الحجر: «أنتِ واحدة مهملة وفاشلة! سيبتي ابنك يتعب ومرضيش قلبك غير لما استغليتي تعبه ووجعه عشان تنكدي عليا وتجرجريني من عند مراتي! دي غيرة مرضية وسواد في قلبك، عايزة تبوظي عيشتي بأي شكل وخلاص! وأنا هعرف منين إنه بيمو.ت؟ ما اتصلتيش تاني ليه لو كنتِ محتاسة بجد ومستنجدة بيا؟ ولا كنتِ مستنية أجيلك راكع عشان ترضي غرورك المريض؟».

قربت منها وصوابعي في وشها بتهديد وإهانة: «أنتِ ست نكدية وعقربة، بتبهدلي عيالك عشان تفرسي ضرتك، ولو فاكرة إنك بالدراما الرخيصة دي هتكرهيني في مرفت أو هترجعيني ليكي، تبقي بتحلمي.. أنتِ كل يوم بتثبتيلي إنك متستاهليش حتى ريحة الشفقة، وإن العيشة معاكي جحيم!».

سوسن كانت باصة في عيني ودموعها نشفت تماماً، ملامحها اتحولت لحجر.. كأنها كانت مستنية تشوف لآخر مدى قذارتي هتوصل لفين. سكتت خالص، مخرجش منها ولا حرف ولا حتى صرخة دفاع، بصتلي من فوق لتحت باحتقار يوجع أكتر من أي رد، وقامت قافلة الباب في وشي بهدوء قاتل، كأنها قفلت الباب على ج/ثة ميت معدتش تفرق معاها في حاجة. لسه هلف ضهري عشان أخرج وأنا بنهج من كتر الزعيق، لقيت باب الأوضة بيتفتح ورايا بهدوء. لفت وبصيت، لقيت سوسن خارجة، في إيديها دوسيه فيه تقارير التحاليل وأشعة الصدر مع الروشتة.

وقفت قصادي، ملامحها كانت خالية تماماً من أي انفعال، عينها ثابتة في عيني بجمود يرعب، ومدت إيدها بالورق من غير ما تترعش وقالت بصوت واطي بس حاد زي الس/كينة: «خلصت وصلة الردح والاتهامات اللي اتمليت بيها وجاي تفرغها فيا؟.. خد، اقرأ تاريخ الكشف وتوقيت التحاليل، واقرأ التقرير اللي بيقول إنه دخل الطوارئ محجوز على أكسجين ومحاليل من الفجر».

سكتت ثانية، وبصت في أنحاء الصالة الفاضية، ورجعت بصتلي بقرف عمر ما شفته في عينيها قبل كده: «أنت جيت هنا الصبح، ومشيت، ورجعت تاني دلوقتي عشان تزعق وتهين وتقل بأصلي وأصل أمي.. بس مهنش عليك تسألني ابنك فين؟ مكلفتش خاطرك تبص في الأوضة وتشوفه نايم، تعبان، ولا حتى عايش؟ ولا سألت بنتك فين واختفت فين من الصبح في وسط الكارثة دي؟».

قربت خطوة واحدة وحطت الدوسيه في إيدي بالعافية، وكملت ببرود حرق دمي: «ابنك محجوز في المستشفى تحت الملاحظة ومخرجش، وبنتك سايباها عند جارتنا عشان أعرف أرجع ألمله هدوم وغيار، وأنت.. دخلت وخرجت مرتين، كل اللي فارق معاك تبرأ نفسك وترضي الست مرفت، حتى مكلفتش نفسك تبص في الشقة وتكتشف إن عيالك الاتنين مش موجودين فيها أصلاً!».

الكلام نزل عليا زي صاعقة كهربة شلت لساني، بصيت حواليا في الصالة وفجأة انتبهت للسكوت القاتل اللي في البيت.. مكنش في صوت تنفس عيل، ولا لعب، ولا حتى حركة في أوضة الأطفال. حسيت الأرض بتميد بيا، والورق في إيدي بقى وزنه أطنان، ولساني اتعقد ومش لاقي كلمة واحدة أرد بيها وأنا واقف عريان من كل معاني الرجولة والأبوة قصادها.

فضلت واقف متنح في مكاني، ريقي نشف والورق بيترعش في إيدي. بصيت لباب الأوضة المفتوح اللي كانت طالعة منه، واكتشفت إن الشنطة الصغيرة بتاعة غيارات المستشفى محطوطة جنب الباب جاهزة.. يعني هي دخلت الأوضة عشان كانت بتلم هدوم ابنها اللي مرمي بين الأجهزة، وأنا مفكرها قافلة على نفسها تكيدني. حاولت أجمع حرفين على بعض، لساني كان تقيل كأنه مربوط بحبل، قلت بصوت مهزوز ومخنوق: «سوسن.. أنا.. والله ما كنت أعرف إنه محجوز.. أنا افتكرت..».

قاطعتني بحركة إيد باردة وفيها استحقار ما شوفتش زيه في حياتي، وقالت بنبرة مفهاش حتى عصبية، مجرد زهد تام: «ماتبررش يا عاطف.. اللي في قلبه ذرة رحمة أو أبوبة كان شم ريحة الخطر على عياله، كان سأل: الواد فين يا سوسن؟ البت فين يا سوسن؟ إنما أنت جيت عينك مش شايفة غير نفسك، وودنك مش سامعة غير صوت مرفت، وبؤك مبيطلعش غير سمها». شالت شنطة الهدوم من على الأرض، وعلقتها على كتفها، وطلعت مفاتيح الشقة ومسكت أوكرة باب الشارع، وقبل ما تفتح، لفت وبصتلي نظرة أخيرة خلتني أحس إني أصغر من النملة في عينيها:

«أنا رايحة لابني المستشفى.. وأنت، اخرج اقفل الباب وراك وروح لحياتك ولمرفت.. متجيش المستشفى، ومتدورش علينا، لأنك لو جيت هطلبلك الأمن يطردك برة، ابنك لما يفتح عينه مش محتاج يشوف أب رخصه وباعه في نص الليل عشان يثبت حبه لوحدة تانية». فتحت الباب ونزلت على السلم بخطوات ثابتة وسريعة، ورزعة باب العمارة تحت كانت زي رصاصة الرحمة على اللي باقي من كرامتي.

فضلت واقف في الصالة لوحدي، البيت فاضي ومفيهوش غير صوت أنفاسي المكتومة، بصيت على التحاليل في إيدي وشوفت اسم المستشفى ورقم الأوضة، وحسيت فجأة بس/كين تلمة بتقطع في قلبي.. حسيت بالعمى اللي كنت عايش فيه، وعرفت إن في حاجات لما بتتكسر، مبترجعش تتصلح تاني أبداً. نزلت وراها زي المجنون، سايق العربية وإيدي بتترعش على الدريكسيون وعيني مش شايفة الطريق. كل اللي في بالي إني ألحق أروح المستشفى، أشوف ابني وأحاول أداري الخيبة والكسرة اللي حطيت نفسي فيها.

وصلت المستشفى وطلعت الدور التالت جري، وسألت على رقم الأوضة المكتوب في التقرير. أول ما وصلت الطرقة وشوفت الباب موارب، رجلي اتسمرت في الأرض من المنظر. لقيت أخويا واقف ساند ضهره ع الحيطة برة الأوضة، وشكله مهدود وعينيه حمرا من قلة النوم، وجنبه والد سوسن واختها قاعدين على كراسي الانتظار، وشوشهم مليانة هم وغضب.

أول ما أخويا لمحني بقرب، عدل وقفته وبصلي من فوق لتحت بنظرة قرف واحتقار خلتني أتمنى لو الأرض تنشق وتبلعني. جه يقرب مني بخطوات سريعة ووقف قدامي وسد طريقي، وقال بصوت واطي ومكتوم من كتر الغيظ: «جاي تعمل إيه هنا يا عاطف؟ جاي تطمن بعد ما الفاس وقعت في الراس؟». بلعت ريقي وحاولت أعدي: «جاي أشوف ابني يا طارق.. أطمن عليه».

ضحك باستهزاء وقالي: «ابنك؟ دلوقتي افتكرت إنك عندك ابن؟ مراتك لما لقتك قفلت السكة في وشها ورميتها، اتصلت بيا أنا أول واحد وهي بتصرخ في التليفون ومش شايفة قدامها.. نزلت جري في نص الليل لقيتها واقفة في الشارع بالولد وهو بيزرق، شيلته وجريت بيه على هنا وأنا بدعي يوصل عايش! وأهلها أول ما عرفوا جم الفجر وفضلوا قاعدين معاه لحد ما هي استأذنت تروح البيت تجيبله لبس وتغير هدومها اللي اتبهدلت وترجع تاني».

في اللحظة دي، خرج حمايا من الأوضة على صوتنا، وبصلي بصة راجل مكسور بس مليان كبرياء، وموجهش ليا حتى كلمة واحدة.. بص لأخويا طارق وقال بهدوء حارق: «قوله يمشي يا طارق.. عشان لو دخل، بنتي مش هتسكت، والواد تعبان ومش ناقص حرقة دم». وقفت في وسطهم زي الغريب، زي المتهم اللي الكل مجتمع على إدانته.. أخويا اللي من لحمي ودمي باصصلي بقرف وبيتبرأ من تصرفاتي، وأهل مراتي شايفيني مسواش مليم، وأنا واقف عاجز، كل ذرة ندم في الدنيا بتنهش في قلبي ومش قادر حتى أنطق باسم ابني.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى