منوعات

مين صاحب الفكرة الحقيقي؟

سلمى فضلت واقفة مكانها، ماسكة موبايل ياسر في إيدها، وعينيها مثبتة على الرسالة الأخيرة. «لو مراتك عرفت مين صاحب الفكرة الحقيقي… مش هتسامحك أبدًا.» قلبها كان بيدق بسرعة. مين صاحب الفكرة الحقيقي؟ وأهم من كده… إيه حكاية الفلوس اللي في الحساب؟ الجملة اللي قالتها نوال كانت أوضح من إنها تكون مجرد سوء تفاهم: «ومتقولهاش إن الفلوس اللي في الحساب مش كلها فلوسكم.» سلمى رفعت عينيها ناحية الصالة. ياسر كان واقف عند الشباك، بيتكلم في التليفون، ووشه متوتر.

ما كانش شايفها. قفلت شاشة موبايله بهدوء وحطته مكانه بالظبط. وبعدين خرجت له. — «ياسر.» لف لها. — «نعم؟» — «إيه الفلوس اللي في الحساب ومش فلوسنا؟» وشه اتغير. ثانية واحدة بس. لكن سلمى شافتها. الثانية دي كانت كفاية. — «إنتِ فتشتي في موبايلي؟» — «ماتجاوبش بسؤال.» — «سلمى، أنا مش ناقص خناقات.» — «وأنا مش ناقصة كذب.» ياسر سكت. قربت منه خطوة. — «أمك بعتالك إنك ما تقوليش إن الفلوس اللي في الحساب مش كلها فلوسنا. دي معناها إيه؟»

— «ماما كانت بتتكلم عن فلوس هاجر.» — «فلوس هاجر؟» — «آه.» ضحكت سلمى بمرارة. — «هاجر عندها فلوس في حسابنا؟» — «مش بالمعنى ده.» — «أمال بالمعنى إيه؟» ياسر قعد على الكنبة وحط إيده على وشه. — «في مبلغ صغير ماما حطته من فترة.» — «قد إيه؟» — «مش كتير.» — «قد إيه يا ياسر؟» سكت. سلمى كررت: — «قد إيه؟» — «حوالي مية وخمسين ألف.» سلمى اتجمدت. — «مية وخمسين ألف؟»

— «ماما قالت نحطهم عندنا مؤقتًا.» — «مؤقتًا ليه؟» — «عشان كانت بتجمعهم لهاجر.» سلمى قعدت قدامه. — «وإنت ما قلتليش؟» — «ما كنتش شايف إنها حاجة مهمة.» — «مية وخمسين ألف في حساب باسمي وأنا مش عارفة… ومش حاجة مهمة؟» — «المبلغ مش بتاعنا أصلًا.» — «بس موجود في حسابنا.» — «عشان نستخدمه في حاجة تخص هاجر.» سلمى سكتت. كل حاجة بدأت تركب فوق بعض. الفكرة. الشقة. المقدم. هاجر.

والفلوس. — «يعني أمك كانت بتحوش فلوس لهاجر عندنا؟» — «آه.» — «ومن غير ما أعرف؟» — «ما كنتش محتاج تعرفي.» الجملة دي كانت كفاية تخلي سلمى تقوم واقفة. — «مش محتاجة أعرف؟» — «أنا قصدي ما كانش فيه مشكلة.» — «فيه مشكلة كبيرة يا ياسر.» دخلت أوضتها وفتحت اللابتوب. — «وريني كشف الحساب.» ياسر قام وراها. — «سلمى، بلاش نكبرها.» — «أنا مش بكبرها. أنا عايزة أعرف فلوسي راحت فين.»

فتحت الحساب. بدأت تقلب في العمليات. وفجأة لقت تحويل بمبلغ مية وخمسين ألف. من حساب باسم نوال. لكن التاريخ كان من حوالي شهرين. سلمى رفعت حاجبها. — «إنت قلت إن المبلغ اتحط من فترة.» — «أيوه.» — «من شهرين يعني؟» — «تقريبًا.» — «طب ليه أمي… قصدي أمك، كانت بتقول إن الفلوس دي موجودة من فترة طويلة؟» ياسر ما ردش. سلمى كملت تقلب. ثم توقفت.#حكايات_منــال_عـلـي في عملية تانية. سحب 80 ألف جنيه.

التاريخ كان بعد إيداع المبلغ بأسبوع. رفعت عينيها له. — «مين سحب التمانين ألف؟» ياسر قرب من اللابتوب. بص للشاشة. وبعدين قال: — «أنا.» سلمى حست إن قلبها وقع. — «إنت؟» — «آه.» — «سحبتهم ليه؟» — «كنت محتاجهم في حاجة.» — «إيه الحاجة؟» — «هقولك.» — «قول دلوقتي.» ياسر سكت شوية. — «دفعتهم مقدم لعربية.» سلمى شهقت: — «عربية؟» — «عربية مستعملة.» — «إنت اشتريت عربية بفلوس أمك؟» — «فلوس هاجر.»

— «وهاجر عارفة؟» سكت. سلمى فهمت. — «هاجر مش عارفة.» — «كنت هرجعهم.» — «إمتى؟» — «قبل ما تحتاجهم.» — «ولما احتاجتهم؟» ياسر ما ردش. سلمى رجعت تبص للحساب. وبدأت تكتشف حاجة أخطر. المبلغ اللي كان المفروض يكون في الحساب مش موجود. جزء كبير منه اتسحب.#حكايات_منــال_عـلـي وجزء تاني اتحول لحساب تاني. وحين جمعت العمليات، اكتشفت إن الحساب اللي كانت فاكرة إنهم بيحوشوا فيه للشقة، ما كانش زي ما ياسر كان بيقول.

الرصيد أقل بكتير. رفعت رأسها. — «إنت كنت بتقول لي إن معانا تقريبًا سبعمية ألف.» — «كانوا موجودين.» — «فين؟» — «جزء منهم اتحرك.» — «اتحرك فين؟» ياسر بدأ يتلعثم. — «مصروفات… والتزامات…» — «التزامات إيه؟» — «حاجات تخصني.» سلمى بصت له طويلًا. — «يعني أنا كنت بحوش كل شهر، وبحرم نفسي من حاجات، وإنت كنت بتصرف من الفلوس؟» — «مش بالشكل ده.» — «أمال بالشكل إيه؟» — «كنت هعوضها.»

— «إنت حتى ما كنتش ناوي تقول لي!» صوت ياسر علي: — «أنا جوزك! ومن حقي أتصرف في فلوسي!» سلمى ردت بهدوء: — «فلوسك تصرف فيها زي ما تحب. لكن حسابنا المشترك؟ لأ.» سكت. وبعدين قالت: — «والأهم… إنت كنت ناوي تعمل إيه بالشقة؟» ياسر ما ردش. — «كنت ناوي تحط اسمي معاك؟» — «آه.» — «وبعدين؟» — «وبعدين…» سكت.#حكايات_منــال_عـلـي سلمى قربت منه. — «وبعدين إيه؟» — «كنا هنكتبها باسم هاجر.»

سلمى هزت رأسها. — «يعني ماما ما كانتش بتقترح.» — «كانت بتتكلم معايا.» — «وإنت وافقت.» — «كنت بحاول ألاقي حل.» — «حل لمين؟» ياسر ما ردش. رن موبايله. بص للشاشة. نوال. رفض المكالمة. بعد ثواني، رن تاني. رفضها. وبعدين وصلته رسالة. فتحها بسرعة. لكن سلمى كانت واقفة قدامه. — «افتح.» — «مالكيش دعوة.» — «بعد اللي شوفته، بقى ليا دعوة بكل حاجة.» ياسر قفل الموبايل. — «ماما عايزة نتقابل بكرة.»

— «كلنا؟» — «أنا وإنتِ.» — «ليه؟» — «عشان نتكلم في موضوع الشقة.» سلمى ابتسمت بسخرية. — «لا. موضوع الشقة خلص.» — «مش بالسهولة دي.» — «بالنسبة لي خلص.» — «سلمى، اسمعيني.» — «لأ. إنت اللي اسمعني.» وقفت قدامه بثبات. — «من النهاردة، أي جنيه أنا حطاه في حسابنا هيتفصل. وأي خطوة تخص شقة جديدة مش هتحصل إلا لما أعرف كل حاجة.» — «إنتِ مش واثقة فيا؟» سلمى سكتت. وبعدين قالت:

— «بعد اللي حصل النهارده؟ لا.» الكلمة نزلت عليه أقسى من أي خناقة. تاني يوم الصبح، سلمى راحت البنك لوحدها. طلبت كشف حساب كامل. الموظف بدأ يطبع لها الأوراق. كانت بتقلب الصفحات واحدة واحدة. وفي أول صفحتين، كل حاجة كانت طبيعية. تحويلات من مرتبها. تحويلات من مرتب ياسر. مبلغ نوال. سحب بسيط. وبعدين…#حكايات_منــال_عـلـي صفحة كاملة فيها تحويلات متكررة لحساب واحد. نفس الاسم. نفس الرقم. نفس المستفيد. سلمى قلبت الورقة. ثم رجعت قلبتها.

الاسم كان: «محمود عبدالعزيز.» سألت الموظف: — «معلش، التحويلات دي كلها طالعة من الحساب؟» — «أيوه.» — «الحساب ده تابع لمين؟» — «حضرتك مش هيكون ظاهر عندنا غير اسم المستفيد.» سلمى بصت للتواريخ. أغلب التحويلات كانت في نفس الأيام اللي ياسر كان بيقول لها إنه رايح شغله في محافظة تانية. وفي مرة كان محول مبلغ كبير جدًا. سلمى مسكت الورقة. — «أنا محتاجة نسخة من العمليات دي كلها.» الموظف طبعها.

خرجت من البنك، وقلبها مليان أسئلة. مين محمود؟ وليه ياسر بيبعت له فلوس؟ وليه التحويلات بدأت بعد ما فتحوا حساب الشقة مباشرة؟ وليه نوال قالت له: «نفّذ اللي اتفقنا عليه قبل ما تغيّر رأيها.» رجعت البيت. ياسر كان لسه في الشغل. حطت الأوراق على السفرة. وقعدت تستناه. عدى ساعة. اتنين. لحد ما الساعة قربت من المغرب. وأخيرًا سمعت مفتاح الباب. دخل ياسر. أول ما شافها، وقف. — «إنتِ رجعتي بدري؟»

— «آه.» بص للأوراق. وشه اتغير. سلمى أشارت للكرسي المقابل. — «اقعد.» — «إيه ده؟» — «اقعد يا ياسر.» قعد ببطء. سلمى دفعت له أول ورقة. — «مين محمود عبدالعزيز؟» مازن… أقصد ياسر، فضل ساكت. — «بسألك.» رفع عينه لها. — «حد أعرفه.» — «حد تعرفه؟» — «أيوه.» — «ليه بعتيله فلوس من حساب الشقة؟» ياسر اتنفس ببطء. — «الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.» — «طب فهمني.» — «محمود ده… شريك في مشروع.»

سلمى عقدت حواجبها. — «مشروع إيه؟» سكت. — «ياسر.» — «مشروع خاص.» — «إنت عندك مشروع؟» — «كنت بفكر أبدأ.» — «من إمتى؟» — «من فترة.» — «وبفلوسنا؟» — «فلوسي.» سلمى رفعت الورقة. — «دي تحويلات من الحساب اللي كنا بنحوش فيه للشقة.» — «أنا هرجعهم.» — «إنت قلت الجملة دي قبل كده.» وبعدين سكتت لحظة. — «بس في حاجة أهم.» ياسر بص لها. سلمى طلعت ورقة أخيرة. حطتها قدامه.

— «أنا سألت عن الاسم ده.» ياسر شحب. — «سألت مين؟» — «محمود عبدالعزيز.» سكت. — «وعرفت هو مين.» ياسر بلع ريقه. سلمى قربت الورقة منه. — «طلع مش شريكك في مشروع زي ما قلت.» ياسر ما اتحركش. سلمى قالت بهدوء: — «طلع الشخص اللي باسمُه كانت متسجلة الشقة اللي أمك عايزة تشتريها.» رفع ياسر عينه لها بسرعة. وفي اللحظة دي… #حكايات_منــال_عـلـي رن جرس الباب. مرة. واتنين. وبعدين صوت ست جه من ورا الباب:

— «سلمى… افتحي. أنا لازم أكلمك قبل ما ياسر يقولك الحقيقة بطريقته.» سلمى بصت لياسر. ولأول مرة شافت الخوف الحقيقي في عينيه. لأن اللي واقف على الباب ما كانتش نوال…    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى